مقدمـــة :

مقدمة موسوعة عنزة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على خير المرسلين،،،

الأخوة القراء والمتابعين من المهتمين بالتاريخ والأدب وعلم الاجتماع الخاص بالقبائل العربية وغيرهم من هواة الاطلاع والمعرفة بشتى أنواعها.

إنما نقدم لكم هذه الموسوعة استكمالا لما تم نشره من منشورات ومدونات عن قبيلة عنزة أو غيرها من العشائر أو القبائل، ولكن -ومع احترازنا من الانتقاص من أي قبيلة- تبقى هذه المدونة الأشمل والأكبر والأكثر ثراء بالمعلومات والمخطوطات والوثائق والصور، فالكثير من كتب التاريخ الحديث ومنشورات المستشرقين تزخر بذكر قبيلة عنزة والتي هي في الحقيقة مجموعة قبائل إن صح التعبير أو حتى شعب كامل، حيث أن قبيلة عنزة في العصر الحالي هي تجمع قبائل ربيعة النزارية العدنانية كافة، والتي هي ربع العرب ونصف العدنانيين، فإن قابلك يوما شخص وقال لك أنا من قبيلة عنزة أكبر قبائل العرب كافة  فلا تستنكر ذلك، فهم ربع العرب باختصار، وهذا ما جعلها في أحد التصنيفات التي نشرت مؤخرا القبيلة الخامسة على مستوى العالم من حيث العدد واتساع الانتشار الجغرافي، وهذا شيء موثق تاريخيا واجمع عليه المؤرخون ذوي الاختصاص، ومن هنا جاء اسم (موسوعة قبيلة عنزة) لثراء المحتوى وضخامة القبيلة.

ويدل على كثرة عدد قبيلة عنزة والتي هي تجمع قبائل ربيعة قول الشاعر النابغة الجعدي في قصيدته المشهورة والتي قالها أمام الرسول صلى الله عليه وسلم:

حسبنا زمانا كل بيضاء شحمة … ليالي إذ نغزو جذاما وحميرا

إلى أن لقينا الحي بكر بن وائل … ثمانين ألفا دارعين وحسرا

سقيناهم كأسا سقونا بمثلها … ولكنهم كانوا على الموت أصبرا

فإذا كان عدد بكر بن وائل قبل الإسلام وهم بطن من بطون وائل التي هي بدورها بطن من بطون ربيعة، كانت ثمانين ألفا فما بالنا بعدد ربيعة كافة، ونستدل على ذلك أيضاً بما دار بين قبائل قيس بن مضر وبكر بن وائل عام ٦٤هـ، عندما قدم عبدالله بن خازم السلمي لخراسان في مرو الروذ لقتال بكر بن وائل بعد تزعزع الخلافة الأموية إثر موت معاوية بن يزيد، حيث يذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ أن قتلى بكر بن وائل في هاراة التي تقع حاليا في افغانستان ٨٠٠٠ قتيلا، وبالتالي كم كان جيش البكريين الموجود في هذه البقعة البعيدة عن جزيرة العرب آنذاك، وما عدد عموم بكر في سائر البقاع، كما أنه ذكر أن: (وكانت بكر وتغلب وعبد القيس وسائر ربيعة من أعظم قبائل العرب شوكة وعددا)، وقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان: (إنما سميت بذلك لكثرة قبائل ربيعة النازلة بها)، وهذا يدل على كثرة عددهم وانتشارهم الجغرافي، وها هو الاخطل التغلبي يرد على جرير عندما قال: 

فمالك في نجد حصاة تعدها … ولا لك في غوري تهامة أبطح

فقال الأخطل واصفاً ديار ربيعة وامتدادها:

ولكن لنا بر العراق وبحره … وحيث ترى القرقور في الماء يسبح

وإنا لممتدون ما بين منبج … فغاف عمان فالحمى لي أفيح

هذا ما يخص قبائل ربيعة وضخامة عددها، أما بالنسبة لنسب قبيلة عنزة المعاصرة، فقد اختلف المختصون والرواة والباحثون في ذلك وإن اتفقوا على أنها في كل الأقوال ربعية نزاريه تعود للجد ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ولكن قال البعض أن قبيلة عنزة الحالية:

 

١- هم أبناء وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، حتى أنه تواتر لدى بعض كبار السن من قبيلة عنزة أنهم كانوا يسمعون من أسلافهم أن ضنا مسلم -وهو النصف الأول من قبيلة عنزة ويضم الرولة والمحلف وولد علي والمنابهة- هم أبناء بكر بن وائل، بينما يكون ضنا بشر- وهو النصف الاخر من قبيلة عنزة ويضم العمارات والفدعان والسبعة وولد سليمان – هم من نسل تغلب بن وائل، مع ملاحظة ضعف هذه الرواية التي لا تستند إلى شواهد منطقية ولا مراجع تاريخية، فلو عدنا إلى زمن ليس ببعيد نجد قصيدة الشيخ طراد بن فندي بن ملحم شيخ الحسنة في منتصف القرن الماضي يقول في أبيات له:

حنا بني وائل على روس الأشهاد … صفوة ضنا عدنان من ساس وجدود

من دور تغلب ما لنا قط سياد … نظلم ولكن ما ظلمنا ثقل عود

وفي رواية أخرى:

تغالبة سدنا القبايل ولا نساد …  نظلم ولكن ما ظلمنا ثقل عود

نجد في هذا البيت أن الشيخ يذكر أنه من تغلب بن وائل مع العلم أن الرواية المتداولة شفهياً أن الحسنة من المنابهة من ضنا مسلم من بكر بن وائل وليس من تغلب، وكان الأحرى بالشيخ طراد بن ملحم أن يقول: من دور بكر ما لنا قط سياد أو بكريون سدنا القبايل ولا نساد.

 

٢- أما القول االثاني فهو أن قبيلة عنزة الحالية هم أبناء عنز بن وائل الأخ الثالث لبكر وتغلب، وهذا القول ضعيف أيضا لأن قبائل عنز بن وائل هي أراشه ورفيدة وفي قول عسير أيضا،  وغيرها كانت ولا زالت في نفس المنطقة الجغرافية من قبل الإسلام حتى عصرنا الحالي، وهم في الحقيقة ليسوا أكثر من أبناء عم لقبيلة عنزة الكبرى لأنهم لم يدخلوا تحت هذا المسمى الشامل وبقوا يحتفظون بأسمائهم القبلية الخاصة، فقبيلة أراشة بن عنز بن وائل قد حالفت قبيلة شهران، بينما حالفت رفيدة عنز قبيلة رفيدة قحطان حتى يومنا هذا، وقد ذكرها الهمداني بالتفصيل في كتابه الشهير الأكليل، مع العلم أن جميع قبائل رفيدة قحطان حميرية قحطانية، باستثناء ثلاثة قبائل من رفيدة وهي بنو تميم وبنو وهب وبنو فهم ابناء عنز بن وائل النزارية، وقد ذكر الهمداني أن موطن بطون عنز بن وائل في مناطق مثل جرش وأبها وبيشة في القرن الرابع الهجري، وهناك خلط لدى النسابين المتأخرين بين عنز بن وائل وعنزة بن أسد بسب تشابه النسبة (العنزي)، أما النسابون المتقدمون فلا خلط لديهم بين الاثنين، وقد فصلوا كل قبيلة على حدا، باختصار فإن قبائل عنز بن وائل إما حالفت قحطان أو شهران ودخلت فيهما، أما ما ينسب لعسير بأنها من ذرية عنز بن وائل، فلا صحة له، وهو مستند إلى قول الهمداني: عسير يمانية تنزرت ودخلت في عنز بن وائل، وهذا يثبت العكس، أي أن عسير قحطانية النسب ووائلية الحلف.

 

٣- أما القول الثالث فهو أن قبيلة عنزة الحالية هي ما نتج عن حلف (اللهـازم) الشهير الذي تشكل في الجاهلية بين عجل بن لجيم أساسا، وقيس بن ثعلبة بن عكابة، وتيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وعنزة بن أسد بن ربيعة، وجميعها من بكر باستثناء عنزة بن أسد، ثم انضم الذهلين وهما ذهل بن شيبان وذهل بن ثعلبة للحلف وأصبحت كل قبائل بكر مع عنزة بن أسد هي حلف اللهازم، وقد ذكر الأصفهاني في كتابه الأغاني: (بكر حيين: اللهازم والذهلين)، ويقول الشاعر حاجب بن ذبيان التميمي بعد يوم السلي الذي انتصرت فيه تميم على بكر واللهازم:

سلي يشكرا عني وأبناء وائل … لهازمها طرا وجمع الأراقم

واستمر حلف اللهازم لما بعد الإسلام وصار أقوى، وشارك مع علي بن أبي طالب في معركة الجمل وصفين، وكان شيخ اللهازم آنذاك (مسلم بن عبدالله العجلي) حيث أن عجل هي من أسست حلف اللهازم، وقد بدأ هذا الحلف بالضعف بعد القرن الأول الهجري ونهاية العصر الأموي، وقلما يستخدم ذكره، بسبب أنه من الأساس أنشئ لغرض حربي ضد بني تميم ومع  استقرار الدولة الإسلامية قلت الحاجة لهذه الأحلاف، كما أن قبائل عجل وقيس بن ثعلبة وتيم وعنزة دخلت الجيوش الإسلامية بمناطق وأصقاع مختلفة بشكل جماعات وأفراد تتطلبها ضرورات وتنظيمات الجيوش الإسلامية.

وإن هذا الرأي الداعم لقول أن عنزة الحالية هي ما نتج عن حلف اللهازم بين البكريين والعنزيين فهو قول ضعيف طبعا، فعنزة هي واحد من أربعة، ثلاثة منهم بكريين، فليس من المنطقي أن يطغى اسم عنزة الأقل عددا وشهرة، على اسم بكر الأكثر عددا وشهرة في تاريخ العرب الجاهلي والإسلامي.

وحتى ما ذكره أبو عبيد البكري المتوفى 487هـ في معجم المستعجم أن عنزة من بني بكر بن وائل، وما قاله الطبري المتوفي عام 311هـ بأن عنزة تنتمي بعمومها لبني بكر بن وائل، فما هذا إلا دليل مجازي على حلف اللهازم ودخول عنزة الأقل عددا مع أبناء عمومتهم الأكثر عددا والانضواء تحت لوائهم، وهذا الشيء موجود حتى في زمننا الحالي، فكثير من أفخاذ صغيرة اندمجت تحت مظلة الفخذ الكبير، مع العلم أنهم أخوة أو أبناء عم نسبا ولكن وقعوا مقام الابن، وعلى سبيل المثال، الشراعبة من ولد علي، فقد جرى العرف أنهم فخذ من ولد علي بينما الحقيقة أن شرعب أخ علي وليس ابنه، وأبوه وهب بن مسلم، فإن قال القائل الشرعبي الولدعلي فلا ضير في ذلك.

 

٤- وهناك رأي رابع قد يكون هو الأرجح والأكثر واقعية والأقرب لمنطق العلم والبحث التاريخي وهو أن عنزة الحالية هم أبناء عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهم جذم من ربيعة وقبيلة من قبائلها، مثلها مثل بكر وتغلب وعبدالقيس وضبيعة وغيرها من قبائل ربيعة، لم تكن بكثرة ولا شهرة أبناء عمومتها من بكر وتغلب، كما قال أبو عبيدة: (وعدد العنزيين في الأرض قليلا)، ولكنها حالفت وشاركت مع أبناء عمومتها في العديد من الأحلاف والمعارك، ومنها معركة ذي قار والجمل وصفين وغيرها من المعارك المشهورة، وقد شاركت باسمها الصريح وهو (عنزة) نسبته (العنزي)، وقد ذكر ذلك في العديد من المؤلفات والكتب والتراجم القديمة، دون أن يتم ذكر أنها اندمجت مع غيرها من قبائل ربيعة بالنسب أو الاسم، والعكس كذلك، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر سنورد بعض تلك المراجع التي ذكرت قبيلة عنزة باسمها الصريح ورجال من عنزة بنسبتهم الحالية:

١- الكلبي المتوفي عام 211هـ أول من ذكر في جمهرة النسب عنزة بن أسد.

٢- كتاب المنقري التميمي عام ٢٠٠هـ ذكر عدد ٤٠٠ مقاتل مع علي بن أبي طالب من عنزة.

٣- كتاب أبي علي الهجري القرن الثالث الهجري أول من ذكر تسلسل نسب رجل من عنزة وهو عبدالله بن حماد الزيادي العنزي.

٤- تاريخ الرسل والملوك الطبري المتوفي ٣١١هـ  ذكر أن عنزة شاركت في معركة ذي قار إلى جانب بكر بن وائل.

٥- العقد الفريد لابن عبد ربه المتوفي ٣٢٨هـ  ذكر فيه أن قبيلة عنزة أسرت حاتم الطائي.

٦- تاريخ الموصل لأبي زكريا الأزدي المتوفي ٣٣٤هـ ذكر فيه اجتماع عنزة مع بني شيبان وقتلوا الوالي وأن ربيعة كانت متمردة على الوالي وذكر أحداث عن عنزة مما يؤكد انها كانت في البداية في ديار ربيعة مع ابناء عمومتها.

٧- جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي المتوفي عام ٤٥٦هـ  تحدث فيها عن عنزة وعن ربيعة بشكل منفصل ولم يذكر اندماجهم تحت حلف أو مسمى واحد.

٨- كتاب الاسكندري المتوفي عام ٥٦٠هـ  ذكر فيه أخبار عديدة عن عنزة ومساكنها.

٩- الجزء الرابع والخامس من كتاب الأنساب لأبي سعد عبدالكريم التميمي السمعاني المتوفي عام ٥٦٢هـ ذكر فيه أخبار كثيرة عن عنزة. 

١٠- اجالة المبتدي وفضالة المنتهي للإمام الحافظ ابي بكر الحازمي الهمداني المتوفي ٥٨٤هـ ذكر في قبيلة عنزة.

١١- المغتصب في جمهرة النسب وكذلك معجم البلدان لياقوت الحموي المتوفي عام ٦٢٦هـ ذكر الكثير عن عنزة بن اسد وجديلة.

١٢- الكامل في التاريخ واللباب في تهذيب الأنساب للعلامة لابن الاثير الشيباني الجزري المتوفي ٦٣٠هـ ذكر فيه العديد من أخبار عنزة بن أسد.

١٣- نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب للرحالة علي بن موسى العنسي الاندلسي المتوفي ٦٨٥هـ ذكر فيه انتقال عنزة من عين التمر الى خيبر. 

١٤- المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء عماد الدين اسماعيل بن علي المتوفي ٧٣٢هـ.

١٥- نهاية الارب في فنون الادب لأحمد النويري المتوفي ٧٣٣هـ ذكر فيه أخبار عنزة وربيعة كافة.

١٦- مسالك الأبصار في الممالك والأمصار لشهاب الدين احمد بن يحيى العمري المتوفي ٧٤٩هـ ذكر أخبار عديدة عن عنزة في القرن السابع والثامن الهجري.

١٧- المصباح المنير لأحمد بن علي المقري الفيومي المتوفي ٧٧٠هـ ذكر فيه أخبار عن عنزة.

١٨- البداية والنهاية لابن كثير المتوفي عام ٧٧٤هـ ذكر في المجلد التاسع تفاصيل عن عنزة.

١٩ – العبر تاريخ ابن خلدون المتوفي ٨٠٨ ذكر فيه عن عنزة وربيعة عامة وفصل في ذلك.

٢٠- نهاية الارب في معرفة قبائل العرب لابي العباس احمد بن علي القلقشندي المتوفي ٨٢١هـ. 



النشأة وأبرز الهجرات التاريخية:

تُعد قبيلة عنزة بن أسد بن ربيعة من القبائل الربعية العدنانية القديمة التي حفظت المصادر العربية أخبارًا متفرقة عن مواطنها وتنقلاتها منذ الجاهلية، ثم خلال صدر الإسلام والعصور اللاحقة. ومن خلال جمع هذه النصوص وترتيبها زمنيًا، يمكن رسم مسار عام لتحركات بني عنزة بن أسد، يبدأ من تهامة والسراة، ثم يمتد إلى نجد واليمامة، ومنها إلى العراق، قبل أن يظهر وجودهم في خيبر والحجاز، حيث ترد في مراحل متأخرة أسماء أفخاذ ارتبطت بقبيلة عنزة المعاصرة.


أولًا: النسب والنشأة:
قال الإمام محمد بن إسحاق، المتوفى سنة 151هـ:

«ولد أسد بن ربيعة ثلاثة، وهم جديلة وعنزة وعميرة، فولد عنزة طو ويقدم، ومنهما تفرعت عنزة بن أسد بن ربيعة».

وعلى هذا النسب تكون عنزة من بني أسد بن ربيعة، من القبائل الربيعية العدنانية.

وتشير الروايات الواردة في المصادر القديمة إلى وجود بني عنزة في نطاق تهامة الممتد بمحاذاة البحر الأحمر، ضمن المواطن القديمة لبني معد بن عدنان، قبل افتراق بطون معد واتساع انتشارها في أنحاء الجزيرة العربية.


ثانيًا: عنزة في تهامة وقصة مقتل القارظ العنزي: 
ذكر أبو عبيد البكري المتوفى سنة 478هـ إحدى الروايات القديمة عن بني عنزة بحرب وقعت بين بني نزار بن معد، ومنهم ربيعة ومضر وأعانتهم كندة، وبين قضاعة وأعانتهم عك والأشعر.

وكان من أسبابها قصة حزيمة النهدي مع فاطمة بنت يذكر العنزي؛ إذ كان حزيمة يعشقها، فقال فيها:

إذا الجوزاء أردفت الثّريّا
ظننت بآل فاطمة الظّنونا


ظننت بها وظنّ المرء حوب
وإن أوفى وإن سكن الحجونا


وحالت دون ذلك من همومى
هموم تخرج الشّجن الدّفينا


أرى ابنة يذكر ظعنت فحلّت
جنوب الحزن يا شحطا مبينا

فلما بلغ شعره بني ربيعة بن نزار رصدوه حتى أخذوه وضربوه.


ثم التقى حزيمة ويذكر وهما ينتحيان القرظ، فوثب حزيمة على يذكر فقتله، وقال:

فتاة كأن رضاب العصير
بفيها يعل به الزنجبيل


قتلت أباها على حبها
فتبخل إن بخلت أو تنيل

ثم اجتمع الفريقان، وانتهى القتال بإجلاء قضاعة عن منازلها في تهامة.


وقال عامر بن الظرب العدواني:

قضاعة أجلينا من الغور كلّه
إلى فلجات الشام تزجى المواشيا


لعمرى لئن صارت شطيرا ديارها
لقد تأصر الأرحام من كان نائيا



ثالثًا: من تهامة إلى جبال السراة:

تظهر جبال السراة بعد ذلك ضمن المواطن التي نُسبت إلى بني عنزة في الجاهلية.

قال عرام السلمي المتوفى سنة 275هـ :

«جبال السراة لعنزة وغامد وخثعم وخولان وسلول وسواءه بن عامر…».


ويمثل هذا النص شاهدًا جغرافيًا على وجود بني عنزة في نطاق السراة إلى جانب عدد من القبائل العربية المعروفة التي سكنت تلك الجبال وما جاورها.


رابعًا: الهجرة إلى نجد واليمامة:

مع حركة قبائل ربيعة وانتشارها في الجزيرة العربية، مضت بنو عنزة بن أسد باتجاه نجد واليمامة، ضمن الهجرات الربيعية في العصر الجاهلي.

وقال أبو حنيفة الدينوري، المتوفى سنة 282هـ:

«فسارت عنزة بن أسد تتبع مواقع الغيث، وتقدمها عبدالعزى بن عمرو العنزي حتى هجم على اليمامة».



ويصور هذا النص طبيعة حركة القبائل في ذلك العصر، إذ كان الانتجاع وتتبع مواقع المطر والكلأ من أبرز العوامل التي أسهمت في انتقال القبائل واتساع مواطنها.


خامسًا: عنزة وحرب البسوس:

كان لبني عنزة حضور في الصراع الكبير الذي عرف في التاريخ العربي بـ حرب البسوس، وهي الحرب التي دارت بين بكر وتغلب من بني وائل وحلفائهما.

وكانت عنزة حليفة لبكر بن وائل.

قال أبو عبيد البكري المتوفى سنة 487هـ:

«وأقامت سائر قبائل ربيعة من بكر وتغلب وغفيلة وعنزة وضبيعة في بلادهم من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، حتى وقعت الحرب بينهم في مقتل جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، فانضمت النمر بن قاسط وغفيلة إلى بني تغلب، ولحقت عنزة وضبيعة ببكر بن وائل».


وهذا النص لا يوضح موقف عنزة في الحرب فحسب، بل يصف أيضًا انتشار قبائل ربيعة آنذاك في نجد والحجاز وأطراف تهامة.


سادسًا: الهجرة إلى العراق ويوم ذي قار:

انتقلت جماعات من بني عنزة بعد ذلك من نجد باتجاه العراق، حيث أصبح لهم حضور ضمن التجمعات القبلية الربيعية هناك.

وكانت عنزة ضمن اللهازم، وشاركت في يوم ذي قار.

وجاء في الشعر:

لولا الفوارس لا ميل ولا عزل
من اللهازم ما قاظوا بذي قار

- تاريخ الطبري.


وبيّن ابن عبد ربه المتوفى سنة 338هـ المقصود باللهازم فقال:

«اللهازم وهم عنزة بن أسد بن ربيعة، وعجل بن لجيم، وتيم الله، وقيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل».



سابعًا: مواطن عنزة في العراق:

استقر لبني عنزة وجود في عدد من نواحي العراق، وتذكر المصادر من المواطن المنسوبة إليهم:

صحراء بني قرار بالكوفة، وصماخ التي تبعد عن البصرة ثلاث ليالٍ، وعين التمر في منطقة الأنبار.

وقد وردت الإشارة إلى هذه المواطن في عدد من المصادر، ومنها:

- النويري، المتوفى سنة 733هـ.
- ابن خلدون، المتوفى سنة 808هـ.
- الظاهري، المتوفى سنة 873هـ.


ويكتسب عين التمر أهمية خاصة في تتبع مسار عنزة التاريخي؛ لأن ابن خلدون سيذكره لاحقًا بوصفه من بلادهم قبل انتقالهم إلى جهات خيبر.


ثامنًا: عنزة في الفتوحات الإسلامية:

مع بداية عصر الفتوحات الإسلامية، شارك رجال من بني عنزة في جيوش دولة الخلافة الراشدة.

ومن أبرز من تذكره المصادر ما ذكره العلامة ابن الأثير الشيباني المتوفى سنة 630هـ بأن ربعي بن الأفكل العنزي، الذي كان في مقدمة جيش الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتح تكريت والموصل سنة 16هـ.


ويمثل هذا الخبر شاهدًا على استمرار حضور بني عنزة في العراق بعد الإسلام، ودخول رجالهم في الجيوش الإسلامية التي شاركت في فتح المناطق الشمالية من العراق.


تاسعًا: أربعة آلاف من عنزة في صفين:

يظهر ثقل بني عنزة العددي في العراق بصورة أوضح خلال أحداث معركة صفين، إذ كانوا ضمن جيش الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقال أبو حنيفة الدينوري:

«فمر الأشعث برايات عنزة، وكان مع علي منهم أربعة آلاف رجل».


وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة، إذ تذكر رقمًا محددًا بلغ أربعة آلاف رجل من عنزة في جيش علي بن أبي طالب.


عاشرًا: عنزة في العصر الأموي:

استمر ذكر بني عنزة في العراق خلال العصر الأموي.

فعندما دخل شبيب الشيباني الكوفة، وهو أحد الخوارج في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان، انضم إليه سلامة بن سيار الشيباني ومعه ثلاثون فارسًا، ثم توجه بهم نحو عنزة.

فقال فرسان عنزة:

«نقتلهم ثم نغدو بهم إلى الأمير».

فقاتلتهم بنو عنزة وقتلتهم مقتلة، ثم أتوا برؤوسهم إلى الخليفة عبدالملك بن مروان.

- الطبري، المتوفى سنة 310هـ.


الحادي عشر: من العراق إلى خيبر والحجاز:

بعد تلك المرحلة يقل ذكر بني عنزة وأحداثهم في العراق، ثم يظهر اسمهم في نصوص مرتبطة بـ خيبر والحجاز، وهذه من أهم المراحل للمتتبع لتاريخ عنزة الحالية بصفتها البدوية المستقلة.


وقد ذكر الهمداني، المتوفى سنة 336هـ معركة وقعت بينهم وبين بني حرب ومزينة وسليم في خيبر والحجاز.

ويشير انتقال موضع الأخبار من العراق إلى الحجاز إلى حدوث حركة لبني عنزة باتجاه خيبر، ويُحتمل أن تكون الاضطرابات التي شهدها العراق والجزيرة العربية، ومنها هجمات القرامطة، من الظروف التي صاحبت هذه الهجرة.


وتأتي رواية ابن خلدون، المتوفى سنة 808هـ لتقدم وصفًا صريحًا لهذا الانتقال، إذ قال:

«ومن أسد عنزة وجديلة أبناء أسد، فعنزة بلادهم في عين التمر في برية العراق على ثلاثة مراحل من الأنبار، ثم انتقلوا إلى جهات خيبر فهم هنالك، وورثت بلادهم غزية من طيء».


وهذا النص من أهم النصوص في تتبع الهجرة؛ لأنه يحدد موطنًا سابقًا هو عين التمر في العراق، ثم يصرح بانتقال بني عنزة إلى جهات خيبر.

وذكر ابن خلدون كذلك أن من عنزة حيًا قليلًا مع رياح من بني هلال بن عامر في إفريقية، وأن منهم أحياءً مع طيء ينتجعون في برية نجد.


الثاني عشر: حرة النار وديار عنزة في الحجاز:

كان من المواطن التي ارتبطت بعنزة في الحجاز حرة النار الواقعة بين وادي القرى وتيماء.

قال الإسكندري، المتوفى سنة 561هـ:

«وحرة النار بين وادي القرى وتيماء من ديار غطفان، وساكنها اليوم بنو عنزة بن ربيعة».


ويدعم هذا النص صورة الاستقرار العنزي في المنطقة الواقعة بين خيبر ووادي القرى وتيماء في القرون الإسلامية الوسطى.


الثالث عشر: ظهور أسماء من قبيلة عنزة المعاصرة:

تكتسب مخطوطة خيبر المؤرخة سنة 840هـ أهمية في تاريخ عنزة المتأخر، إذ يظهر فيها ذكر أسماء مرتبطة بأفخاذ وبيوت من قبيلة عنزة المعاصرة، ومنها:

الفدعان – المهيد – الأشاجعة – المطارفة.

ويمثل ظهور هذه الأسماء مرحلة مهمة في تتبع الصلة بين أخبار بني عنزة في المصادر القديمة وبين التكوينات القبلية التي عُرفت في الفترات اللاحقة.


الرابع عشر: خروج عنزة من خيبر والحجاز:

أصبحت خيبر وما حولها من الحجاز من أهم مواطن عنزة، ومنها وقع الانتشار اللاحق للقبيلة المعاصرة بجذميها الكبيرين:

ضنا بشر وضنا مسلم.

ومن هذين الجذمين تشكلت بطون وأفخاذ عنزة التي توسعت مواطنها لاحقًا في أنحاء واسعة من شمال ووسط الجزيرة العربية وما جاورها.


المسار التاريخي للهجرات:

وعند جمع النصوص السابقة وترتيبها زمنيًا وجغرافيًا، يظهر المسار العام لهجرات بني عنزة بن أسد بن ربيعة بالصورة الآتية:

تهامة - جبال السراة - نجد واليمامة - العراق - خيبر والحجاز - انتشار قبيلة عنزة المعاصرة بضنا بشر وضنا مسلم.

وهكذا ترسم المصادر مسارًا جغرافيًا طويلًا لبني عنزة بن أسد بن ربيعة؛ بدأ من المواطن القديمة في تهامة والسراة، ثم امتد إلى نجد واليمامة في سياق حركة قبائل ربيعة، ومنها إلى العراق حيث ظهر اسم عنزة في ذي قار والفتوحات الإسلامية وصفين وأحداث العصر الأموي.

ثم يظهر انتقالهم من عين التمر وبرية العراق إلى جهات خيبر بنص ابن خلدون، لتصبح خيبر وما حولها من الحجاز من أبرز مواطنهم، قبل مرحلة انتشار قبيلة عنزة المعاصرة بجذميها ضنا بشر وضنا مسلم.


المصادر الواردة في النص:
  1. ابن إسحاق، المتوفى سنة 151هـ.
  2. عرام السلمي، المتوفى سنة 275هـ.
  3. الدينوري، المتوفى سنة 282هـ.
  4. الطبري، المتوفى سنة 310هـ.
  5. ابن عبد ربه، المتوفى سنة 338هـ.
  6. الهمداني، المتوفى سنة 336هـ.
  7. أبو عبيد البكري، المتوفى سنة 487هـ.
  8. الإسكندري، المتوفى سنة 561هـ.
  9. ابن الأثير، المتوفى سنة 630هـ.
  10. النويري، المتوفى سنة 733هـ.
  11. ابن خلدون، المتوفى سنة 808هـ.
  12. الظاهري، المتوفى سنة 873هـ.

وصف النبي لعنزة أن عمر بن عصام جاءه فقال يا أبا رباح: " ما الذي ذكر لك أمير المؤمنين عمر حين قدمت عليه في قومك" ، قال: " مررت عليه فقال لي من أنت وممن أنت" ، فقلت: " يا أمير المؤمنين أنا حنظلة بن نعيم العنزي" ، فقال: " عنزة"، قلت: " نعم" ، فقال: " أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قومك ذات يوم فقال أصحابه يا رسول الله وما عنزة فأشار بيده نحو المشرق فقال حي من هاهنا مبغي عليهم منصورون".    أعلام من قبيلة عنزة الصحابي سلمة بن سعد العنزي عمرو بن مالك بن القرار العنزي رشيد بن رميض العنزي حبان بن مندل العنزي مندل بن علي العنزي نبيح العنزي معبد بن هلال العنزي محمد بن المثنى أبو موسى العنزي أبو سعيد أحمد بن زياد بن الأعرابي العنزي الحارث بن الدؤل العنزي المثنى بن عوف العنزي الأسود بن قيس العنزي أيوب السختياني مولاهم أبو الحسن النيسابوري طلق بن الحبيب العنزي ضبة بن محصن العنزي عبدالرحمن بن حسان العنزي محمد بن المثنى بن دينار العنزي الفصيل بن ديسم بن هراج العنزي كان شريفاً مدحه الفرزدق الشاعر مزيد بن عبدل الهزاني العنزي من بني حلاكة كان شريفاً كدام بن حبان العنزي من خيار التابعين من أصحاب علي رضي الله عنهما أذينة بن عمران بن عصام العنزي كان رأس عبد القيس إمام عثمان بن عفان وحضر يوم الجمل مع عائشة رضي الله عنها ميمون بن استاذ الهزاني العنزي أبو الأخنس الهزاني العنزي 

المراجع  جمهرة أنساب العرب (1/124)  مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 10/54 الطبراني تاريخ ابن ربيعه تاريخ ابن عباد تاريخ ابن عيسى (الخزانه النجديه) تاريخ ابن بشر تاريخ ابن غنام تاريخ الفاخري أصدق الدلائل في أنساب بني وائل. عبدالله بن عبار ملاحظات على البدو والوهابيين لبيركهارت تذكرة أولى النهى والعرفان بايام الله الواحد الديان لإبراهيم بن عبيد أيام العرب قبل الإسلام. لأبي عبيدة معمر بن المثنى الأنساب. للأمام أبي سعد عبد الكريم السمعاني جواهر الأصحاب في أنساب أهل الجوف. للشيخ عبد الرحمن بن عطا الوثائق المصرية  الوائليون. حقائق وبيارق. د. عبد الله بن ثاني بكر بن وائل. د. عبد الرحمن الفريح الكامل. ابن الأثير ديوان الأخطل المخدم الدليمي فايز البدراني  راعي البويضا @n0n_

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *